السبت، مايو 22، 2010

تلفزيون ...في المطبخ!


  أخيرا" حصلت على تفسير منطقي حول علاقتي "الاجتماعيه" بتلفزيوبي الصغير القابع في  مطبخي . تفسير يضع الامور  في نصابها,و ينفي عني  خشيتي  من  كوني  لم اغادر بعد بقعه الطفوله  الكامنه في ذاتي , فاْفرح لاتفه المستجدات, حتى و ان كان هذا المستجد تلفزيونا"  قد بات اختراعا" باليا" نمطيا" مفروغا" منه.


في استرسال "اعتزالي" ,  تمكنت من ربط  التلفزيون باْصوات تنقلني الى مراحل اولى من سلم عمري وسنواتي . تضيق الصوره و يخبو الصوت فيصل الى ذاك المطبخ الواسع في بيت جدتي لابي, في شارع الشهيد  اْحمد ابن عبد العزيز  في رمال غزه.


تضمحل "الشياكه" البارده لمطبخي , بخشبه القيقبي الابيض , و بلاطه الفلسطيني الطابع , و نمطه المتوسطي الجميل , تتقزم  في مقابل الحياه المنبعثه و المتقجره  من مطبخ "ستي"  بمجلاه الرخامي البلدي , ونافذته التي لطالما سكبت  لنا شلالات الشمس الغزيه  بسخاء  , و نملياته الخشبيه  المنتشره في ارجائه.


الليله الواحده في  ضيافه جدتي كانت بعمر كامل . بيض " العيون" المقلي بالزبده الفلاحي , قي المقلى الالومنيوم "المطعوج" من عده جهات ,لا زال يقفز على اعتاب شهيتي , تصغر امامه كافه المشهيات  و الاوردوفرات , من كافه  قوائم الطعام في العالم, كما هو الحال مع بذر البطيخ المحمر على الصاج, و صحن الزيتون البلدي صغير الحجم المرصوص مع شرائح الفلفل و الليمون.

الداخل الى ذاك المطبخ كان كالداخل الى  سوق البلد. الارجل لا تنقطع عنه  الا ساعه  تطفاْ الانوار في البيت الكبير , و تخلد "ستي" الى  غرفه نومها الضخمه , بقميص نومها و روبها السماوي المصنوع في مصر , تحتضن في اكفها كاْس ماء بلوريه فوق صحن صغير.

لم تكن وحدها  ,تستوطن ذاك المطبخ , عمتي كانت دائما" هناك , تلك التي لطالما انتشلتنا من بين اذرع امهاتنا الغاضبات. و كانت ايضا" أم احمد في ايام الغسيل و العجين, و "عيشه" تلك البنت السوداء الملازمه لجدتي كظلها.ثم بعض الاحفاد , يتقافزون و يتبعثرون في كل مكان ,فتزجرهم "ستي" ..."يا ولد كن... يا ولد اسكت".....ثم زوجات الاعمام , هذه تستعير قدرا" , و تلك تحضز طبقا" من السماقيه الملوكيه, و اخرى تتكئ على حافه النافذه تروي قصصا" او اخبارا" او تستعد لزياره صباحيه......

احشد تلك الاصوات , اجمعها, الملمها,...لا اراديا",..اشتهي  لعمري ان  اسمعها  تصدح  في  اْرجاء بيتي  ومطبخي ! اشكو  من  فراغ  في فرحي....فراغ لن يمتلئ ابدا" .اذ  ان    البيوت اصبحت  اكثر اناقه , نصممها على هوانا,..نرتبها على هوانا...و لكنها تبقى خاويه, صامته , لا تشبه ابدا" ذاك المطبخ في قلب غزه. و هكذا  اسمح لتلفزيوني الصغير ان "يبرم" طيله فتره  وجودي  في المطبخ...عساني  استحضر جزءا"  من تلك اللحظه....تلك الضجه... و تلك الايام!!!!!                  

هناك تعليقان (2):

  1. ما هذه التعبيرات والاستعارات والكنايات والبلاغة...يبدو ان حنينك الى غزة فد فجر فيك الالهام والوحي للكتابة بهذه البساطة والتلفائية الممزوجة بالعمق اللغوي.
    مرة أخرى ومثل المرات السابقة تضيفين ابداعا الى ابداعات، وبما انك ذكرت السماقية وبما اننا في نابلس لا نعرفها فانه مطلوب منك ان تعرفينا بها(بشكل عملي)

    ردحذف
  2. واالله بتمون يا سيد سامر.
    اشكرك على كلامك الرائع,انا و الله لا استحقه.ممنونتك مره ثانيه,قد اكتب يوما" عن حكايا مرتبطه بالاكلات الشعبيه.؟!

    ردحذف